عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
78
اللباب في علوم الكتاب
[ الأنبياء : 48 ] . وقال قطرب وزيد : « الفرقان انفراق البحر له » . فإن قلت : هذا مذكور في قوله : وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ وأيضا قوله بعد ذلك : « لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ » * لا يليق إلّا بالكتاب ؛ لأن ذلك لا يذكر إلا عقيب الهدى ، فالجواب عن الأول أنه تعالى لم يبين في قوله : « وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ » أن ذلك كان لأجل موسى - عليه السلام - وفي هذه الآية بيّن ذلك بالتنصيص . وعن الثاني : أن فرق البحر كان من الدّلائل فلعلّ المراد : آتينا موسى الكتاب ليستدلّوا بذلك على وجود الصانع ، وصدق موسى عليه السّلام ، وذلك هو الهداية ، وأيضا فالهدى قد يراد به الفوز والنّجاة ولم يرد به الدلالة ، فكأنه - تعالى - بيّن أنه أتاهم الكتاب نعمة من الدين والفرقان الذي جعل به نجاتهم من الخصم نعمة عاجلة . وقيل : الفرقان : الفرج من الكرب ؛ لأنهم كانوا مستعبدين مع القبط ، إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً [ الأنفال : 29 ] أي : فرجا ومخرجا وقيل : الحجّة والبيان ، قاله ابن بحر . وقيل : الفرقان الفرق بينهم وبين قوم فرعون ، أنجى هؤلاء ، وغرق أولئك ، ونظيره يوم الفرقان ، فقيل يعني به يوم بدر . فصل في الرد على المعتزلة استدلت المعتزلة بقوله : « لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ » * على أن اللّه أراد الاهتداء من الكلّ ، وذلك يبطل قول من يقول : أراد الكفر من الكافر . وأيضا إذا كان هداهم أنه - تعالى - لم يخلق الاهتداء ممن يهتدي ، والضلال ممن يضل ، فما الفائدة في إنزال الكتاب والفرقان ، ولقوله : « لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ » * ومعلوم أن الاهتداء إذا كان يخلقه ، فلا تأثير لإنزال الكتب فيه لو كان الاهتداء [ ولا كتاب لحصل ] « 1 » الاهتداء ، ولو أنزل الكتاب ، ولم يخلق الاهتداء فيهم لما حصل الاهتداء ، فكيف يجوز أن يقول : أنزلت [ الكتاب ] « 2 » لكي تهتدوا ؟ وقد تقدّم مثل [ هذا ] « 3 » الكلام . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 54 ] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 54 ) « يا قوم » اعلم أن في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم ستّ لغات . أفصحها : حذفها مجتزئا عنها بالكسرة ، وهي لغة القرآن .
--> ( 1 ) في أ : والكتاب يحصل . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في ب : ذلك .